برامج متنوعة

الصين في مواجهة الذكاء الاصطناعي: بين مخاطر التهديد وسُبل الترويض

كتب: محمد شاهين

0:00

تُظهر الصين موقفاً متناقضاً تجاه الذكاء الاصطناعي؛ فبينما تسعى بجدية لتحقيق الريادة العالمية في هذه التكنولوجيا وتستثمر مليارات الدولارات في أبحاثها وتطبيقاتها، فإنها في الوقت نفسه تبدي قلقاً عميقاً من التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي على استقرار النظام السياسي وهيمنة الحزب الشيوعي الحاكم. هذا التوتر بين الطموح التكنولوجي والحذر الأيديولوجي يُشكل أحد أبرز معالم سياسة الصين الرقمية في العقد الحالي.

 

جذور القلق: كيف يهدد الذكاء الاصطناعي “النظام”

يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي داخل الأوساط الحاكمة في الصين على أنه يحمل ثلاثة تهديدات رئيسية للنموذج الحاكم:

 

تهديد السيطرة على المعلومات: يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تنتج محتوىً على نطاق واسع وبسرعة، مما قد يتحدى آلية الرقابة المعقدة (الجدار الناري العظيم) ويُضعف سيطرة الدولة على الرواية العامة.

 

تحدي الاستقرار الاجتماعي: القدرة على إنشاء محتوى واقعي مزيف (مقاطع فيديو عميقة، أخبار مُلفقة) قد تستخدم لتضخيم الاحتجاجات أو تقويض ثقة الجمهور في المؤسسات.

 

إضعاف التفوق الأيديولوجي: قد تُسهّل روبوتات المحادثة والقدرات التحليلية المتقدمة نشر أفكار وتفسيرات بديلة للتاريخ والسياسة، مما يهدد الخطاب الرسمي الذي يروج له الحزب.

 

أدوات الترويض: استراتيجية الصين للسيطرة على الذكاء الاصطناعي

رداً على هذه المخاطر، تطور الصين نموذجاً فريداً يجمع بين التشجيع القوي للابتكار والتطبيق من ناحية، وفرض رقابة صارمة وحوكمة مركزية من ناحية أخرى:

 

1. الإطار التنظيمي الصارم

أصدرت الصين بعضاً من أشد قوانين الذكاء الاصطناعي في العالم:

 

لوائح إدارة الخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي (2023): تفرض على النماذج أن تلتزم بالقيم الأساسية للاشتراكية وتمنع إنتاج محتوى يهدد الوحدة الوطنية أو الأمن.

 

قانون الأمن السيبراني و قانون حماية البيانات الشخصية: يشكلان أساساً لحفظ البيانات داخل البلاد ومراقبة محتوى المنصات.

 

2. “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” كبوصلة أخلاقية

تصر اللوائح على أن تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يحافظ على الأمن الوطني والمصلحة العامة، ويعزز القيم الاشتراكية. أي نموذج ذكاء اصطناعي يجب أن يكون “موالياً للدولة ومحباً للحزب”.

 

3. التركيز على الذكاء الاصطناعي “القابل للتفسير والتحكم”

تدفع الجهات التنظيمية شركات التكنولوجيا نحو تطوير ذكاء اصطناعي شفاف وآمن وقابل للتنبؤ، حيث تكون السلسلة الكاملة من المدخلات إلى المخرجات قابلة للتتبع والتدقيق من قبل السلطات.

 

4. تعزيز البدائل المحلية (استبدال الواردات)

تشجع الصين بقوة اعتماد النماذج المحلية (مثل Ernie Bot من Baidu، Tongyi Qianwen من Alibaba) بدلاً من النماذج الغربية، مما يسمح بمراقبة وتوجيه أفضل من جذور التطوير.

 

التحدي الكبير: التوازن بين الابتكار والكبح

تواجه الصين معضلة حقيقية:

 

كيف يمكنها منافسة الغرب (خاصة الولايات المتحدة) في سباق الذكاء الاصطناعي الاستراتيجي إذا قيدت بيئة الابتكار بشدة؟

 

كيف تحافظ على الحيوية الإبداعية للباحثين والمطورين مع فرض حدود أيديولوجية صارمة؟

 

الإجابة التي تقدمها بكين هي نموذج الذكاء الاصطناعي المسيّج، حيث يتم تشجيع الابتكار التكنولوجي الهائل داخل مسارات محددة مسبقاً وآمنة سياسياً.

 

النموذج الصيني وتأثيره العالمي

يقدم نهج الصين سابقة مهمة للعالم:

 

بديلاً للنموذج الغربي: حيث يُقدم الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والوحدة الوطنية بدلاً من التركيز الحصري على الحريات الفردية والإبداع غير المقيد.

 

تأثير على الدول الأخرى: قد تتبنى دول تفضل النموذج الاستبدادي أو السلطوي بعض عناصر الإطار التنظيمي الصيني، مستشهدة بـ “الأمن الوطني” لتبرير الرقابة على الذكاء الاصطناعي.

 

سباق ذو قيود

يُجسد المسار الصيني في التعامل مع الذكاء الاصطناعي التناقض المركزي في عصر التكنولوجيا: القوة الهائلة للابتكار ومخاطرها التي لا يمكن التنبؤ بها على هياكل السلطة القائمة. بينما تستمر الصين في استثمارها الهائل وطموحها لقيادة العالم في الذكاء الاصطناعي، فإنها تفعل ذلك تحت سقف زجاجي من الرقابة. نجاحها أو فشلها في تحقيق هذا التوازن الدقيق لن يشكل فقط مستقبل الذكاء الاصطناعي داخل حدودها، بل قد يقدم نموذجاً بديلاً يؤثر على كيفية تنظيم الدول للتكنولوجيا في جميع أنحاء العالم في العقود القادمة. التحدي هو هل يمكن للحزب أن “يروض” قوة تحولية بالغة التعقذ دون أن يخنقها؟

 

هذا المحتوى تم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Main Heading Goes Here
Sub Heading Goes Here

No, thank you. I do not want.
100% secure your website.
Powered by
Main Heading Goes Here
Sub Heading Goes Here

No, thank you. I do not want.
100% secure your website.